محمد بن محمد ابو شهبة

147

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وصاة النبي ببعض القرشيين لمّا حرّض النبي المؤمنين على القتال ، واستحث عزائمهم ، لم ينس وصيته بأناس خرجوا مكرهين إلى القتال بحكم العصبية الجاهلية ، وكانت لهم مواقف مشكورة في منع النبي وحمايته ، أو مساع حميدة في ردّ الظلم والطغيان ، فقال لأصحابه يومئذ : « إني قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا مكرهين ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله ، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا يقتله ، فإنه إنما خرج مستكرها » . ولا تحسبنّ أن الرسول بهذه الوصاة أراد أن يحابي أهله وذوي قرباه ، فقد كانت نفسه الشريفة أسمى من ذلك وأرفع ، وإنما ذكر لبني هاشم منعهم له ثلاثة عشر عاما ، وانحيازهم لأجله في الشّعب ثلاثة أعوام حتى جاهدوا وأكلوا ورق الشجر ، وذكر لعمه العباس موقفه المشرّف في بيعة العقبة الثانية وقوله للأنصار : ( إن محمدا لا يزال في عزة ومنعة من قومه ) ، وذكر لأبي البختري أنه كان له ضلع كبير في نقض الصحيفة الظالمة ، وهي حسنات لا ينساها الإسلام قط ، وقد كان من خلق رسول اللّه أن يردّ الجميل بخير منه ، وليس أدل على ذلك من أن أبا البختري ليس من بني هاشم ، ولا تربطه بالنبي قرابة قريبة ، وإنما هو السمو الخلقي والإنساني . وفي ثورة من الحمية والغضب بدرت بادرة من رجل من خيار المسلمين وهو أبو حذيفة بن عتبة ، فقال : ( أنقتل اباءنا وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس ؟ واللّه لئن لقيته لألحمنّه « 1 » بالسيف ) ، فبلغت مقالته رسول اللّه فقال لعمر : « يا أبا حفص أيضرب وجه عمّ رسول اللّه بالسيف » ، فقال عمر : يا رسول اللّه دعني فلأضرب عنقه بالسيف ، فو اللّه لقد نافق ، ولكن الرسول أبى وغفر له ما بدر بحسن نية وصدق وإيمان .

--> ( 1 ) لألحمنّه : أي لأضربنه بالسيف .